صفي الرحمان مباركفوري
181
الرحيق المختوم
وسار عبد اللّه بن جحش حتى نزل بنخلة ، فمرت عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة وفيها عمرو بن الحضرمي وعثمان ونوفل ابنا عبد اللّه بن المغيرة والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة ، فتشاور المسلمون وقالوا : نحن في آخر يوم من رجب ، الشهر الحرام ، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام ، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم ، ثم اجتمعوا على اللقاء فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله ، وأسروا عثمان والحكم ، وأفلت نوفل ، ثم قدموا بالعير والأسيرين إلى المدينة ، وقد عزلوا من ذلك الخمس ، وهو أول خمس كان في الإسلام ، وأول قتيل في الإسلام ، وأول أسيرين في الإسلام . وأنكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما فعلوه ، وقال : ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ، ووقف التصرف في العير والأسيرين . ووجد المشركون فيما حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم اللّه ، وكثر في ذلك القيل والقال ، حتى نزل الوحي حاسما هذه الأقاويل ، وأن ما عليه المشركون أكبر وأعظم مما ارتكبه المسلمون . . . يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ، وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [ البقرة : 217 ] . فقد صرح هذا الوحي بأن الضجة التي افتعلها المشركون لإثارة الريبة في سيرة المقاتلين المسلمين لا مساغ لها ، فإن الحرمات المقدسة قد انتهكت كلها في محاربة الإسلام ، واضطهاد أهله ، ألم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام حين تقرر سلب أموالهم وقتل نبيهم ؟ فما الذي أعاد لهذه الحرمات قد استها فجأة ، فأصبح انتهاكها معرة وشناعة ؟ لا جرم أن الدعاية التي أخذ ينشرها المشركون دعاية تبتني على وقاحة ودعارة . وبعد ذلك أطلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سراح الأسيرين ، وأدى دية المقتول إلى أوليائه « 1 » . تلكم السرايا والغزوات قبل بدر ، لم يجر في واحدة منها سلب الأموال وقتل الرجال ،
--> ( 1 ) أخذنا تفاصيل هذه السرايا والغزوات من زاد المعاد 2 / 83 ، 84 ، 85 ، وابن هشام 1 / 561 إلى 605 ، ورحمة للعالمين 1 / 115 ، 116 ، 2 / 215 ، 216 ، 468 ، 469 ، 470 وفي المصادر اختلاف في ترتيب هذه الغزوات والسرايا ، وفي تعيين عدد الخارجين فيها - واعتمدنا في ذلك على تحقيق العلامة ابن القيم والعلامة المنصور فوري .